بقلم: خالد آل دغيم
على مدى عقود، كانت برلين ولندن محطتين رئيسيتين في صناعة المعارض السياحية العالمية. فمن قاعات بورصة السياحة الدولية «ITB» في برلين، التي انطلقت عام 1966، إلى أروقة سوق السفر العالمي «WTM» في لندن، الذي تأسس عام 1980، تشكلت الشراكات، وأُبرمت الصفقات، وتحددت اتجاهات السفر والسياحة حول العالم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يعني أن تختار عائلة WTM الرياض تحديداً لإطلاق مفهوم جديد في صناعة المعارض السياحية؟
في 8 سبتمبر 2026، تستضيف واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات النسخة الأولى من «سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض»، بمشاركة أكثر من 450 عارضاً، ونحو 6500 زائر، و150 مشترياً دولياً. والأهم أن السعودية هي أول سوق في العالم تختارها عائلة WTM لإطلاق هذا المفهوم، القائم على وضع سوق واحدة في مركز اهتمام قطاع السفر العالمي.
دلالة الاختيار تتجاوز تنظيم فعالية جديدة؛ فالمملكة التي كانت تذهب إلى المعارض العالمية لتعريف العالم بوجهاتها وفرصها السياحية، أصبحت اليوم تستقطب معرضاً دولياً صُمم حول سوقها.
وهذا التحول لم يأتِ من فراغ. ففي الربع الأول من 2025، سجلت السعودية أعلى نمو عالمي في إيرادات السياحة الدولية، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، فيما بلغ عدد الزيارات السياحية للمملكة خلال العام نفسه نحو 122.6 مليون زيارة، منها 29.3 مليون زيارة دولية.
هذه المؤشرات تكشف اتساع سوق سياحية أصبحت أكثر جذباً للشركات والمشغلين والمشترين والمستثمرين. ولهذا صُمم «سبوت لايت الرياض» ليتعامل مع اتجاهين متكاملين: السياحة الوافدة إلى المملكة، والسياحة السعودية إلى الخارج. ووفق الموقع الرسمي للمعرض، يربط المنتجات السياحية العالمية والإقليمية بالمشترين السعوديين والدوليين.
ومع حضور 150 مشترياً دولياً، تتحول قاعات المعرض من مساحة لعرض الوجهات إلى مساحة للأعمال؛ حيث يلتقي المنتج بالطلب، وتُبنى الشراكات وتُختبر الفرص التجارية.
وهنا تظهر قيمة الاستثمار السياحي السعودي؛ فنجاحه لا يقاس بحجم المشروعات وحده، وإنما بما يستقطبه من أعمال جديدة. فالمشروعات تخلق المنتجات، والمنتجات تستقطب المشغلين، وشبكات التوزيع تستدعي شركات السفر والمشترين، لتتشكل حول السياحة منظومة اقتصادية متكاملة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة اختيار الرياض. فبرلين ولندن صنعتا إرثاً راسخاً في صناعة معارض السفر، بينما تدخل الرياض المشهد بمعطيات جديدة: استثمارات تصنع العرض، وطلب يولد السوق، وحركة سفر تستقطب العالم.
إن إطلاق مفهوم جديد من مفاهيم WTM في الرياض يمثل إشارة إلى أن السوق السعودية بلغت من الجاذبية ما يجعلها موضوعاً لمعرض عالمي مستقل، ويكشف في الوقت نفسه صعود الرياض مركزاً جديداً في صناعة المعارض وأسواق السياحة.
فجرٌ جديد لا يبدأ هذه المرة من قاعة معرض، بل من سوقٍ أصبحت تستحق أن يُبنى حولها معرض كامل.
