عبدالله عادل – مجلة Tourism

لم تعد السياحة في المملكة العربية السعودية مشروعًا ترفيهيًا أو قطاعًا ثانويًا في الاقتصاد الوطني، بل أصبحت واحدة من أسرع الصناعات نموًا في الشرق الأوسط والعالم.
وفي قلب هذا التحول، تتبنى المملكة مفهومًا فريدًا من نوعه: “الاستثمار في الجمال” — أي تحويل الطبيعة والثقافة والتراث إلى فرص استثمارية عالمية مستدامة.

من الجمال الطبيعي إلى القيمة الاقتصادية

تملك المملكة ثروة طبيعية وثقافية هائلة تمتد من جبال العلا إلى شواطئ البحر الأحمر وواحات الأحساء وكثبان تبوك.
لكن التحدي لم يكن في وجود الجمال، بل في تحويله إلى تجربة استثمارية مربحة ومستدامة.

وهنا جاءت رؤية السعودية 2030 لتعيد رسم الخريطة:

فتح قطاع السياحة أمام الاستثمارات الأجنبية بنسبة 100%.

تسهيل إجراءات التراخيص للمستثمرين.

تطوير البنية التحتية والطرق والمطارات.

تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للشركات السياحية والفندقية.

هذه الخطوات جعلت الجمال السعودي قابلًا للاستثمار العالمي، لا مجرد وجهة محلية.

أرقام تتحدث عن التحول

بحسب بيانات وزارة السياحة السعودية لعام 2024:

بلغ عدد الاستثمارات السياحية الجديدة أكثر من 350 مشروعًا.

وصلت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع إلى 100 مليار ريال.

ارتفعت مساهمة السياحة في الناتج المحلي إلى 4.5%.

واستقبلت المملكة أكثر من 27 مليون زائر دولي، لتصبح الوجهة الأسرع نموًا عالميًا وفقًا لتقرير منظمة السياحة العالمية (UNWTO).

هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل شهادة نجاح على أن الجمال السعودي أصبح قوة جذب استثماري عالمي.

البحر الأحمر.. وجهة الفخامة والاستدامة

يُعد مشروع البحر الأحمر من أبرز الأمثلة على الشراكات العالمية في السياحة السعودية.
فالمشروع الذي تطوره شركة البحر الأحمر العالمية بالشراكة مع شركات دولية من سويسرا وإيطاليا واليابان، يمثل نموذجًا للاستثمار المستدام.

يضم المشروع 90 جزيرة بكرًا.

يستخدم الطاقة المتجددة بنسبة 100%.

ويوفّر بيئة استثمارية مغرية لشركات الضيافة العالمية مثل Marriott وSix Senses وThe Ritz-Carlton، التي بدأت بالفعل تشغيل منشآتها التجريبية في 2024.

إنه استثمار في جمال البحر والبيئة، لكن بعقلية الاقتصاد الحديث الذي يحمي ما يستثمر فيه.

العلا.. الجمال الذي يسوّق نفسه

العلا بدورها أصبحت وجهة عالمية للثقافة والسياحة الفاخرة، بعد أن جذبت شركاء دوليين كبار مثل Air France وAccor وAbercrombie & Kent في مجال التسويق والخدمات الفندقية.

الهيئة الملكية لمحافظة العلا تبنت مفهوم “الحفاظ المنتج”، أي أن كل مشروع جديد يجب أن يحترم التراث الطبيعي ويخلق قيمة اقتصادية.
بفضل هذا النموذج، تجاوزت استثمارات القطاع الخاص في العلا 2 مليار ريال خلال ثلاث سنوات فقط، مع توفير أكثر من 5 آلاف وظيفة مباشرة للسكان المحليين.

يقول عمرو المدني، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية للعلا:
“الجمال هنا ليس ديكورًا سياحيًا، بل هو أصل اقتصادي نعمل على تنميته.”


نيوم.. الحلم الذي يجذب العالم

مشروع نيوم هو الواجهة المستقبلية الأكبر لجذب الشركات العالمية.
فمن “ذا لاين” التي تبنيها شركات هندسية من اليابان وكوريا وألمانيا، إلى “تروجينا” الجبلية التي ستستضيف الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، أصبحت نيوم مختبرًا للاستثمار في الابتكار والسياحة المستدامة.

الشركات العالمية ترى في نيوم فرصة لتجربة مفاهيم جديدة في السياحة الذكية، مثل الفنادق بدون موظفين، والطاقة الصفرية، والتجارب الرقمية الممتزجة بالطبيعة.

لماذا تنجذب الشركات العالمية؟

الشركات الدولية تنظر إلى المملكة اليوم على أنها سوق واعدة ومستقرة لعدة أسباب:

  1. بيئة تنظيمية واضحة عبر وزارة السياحة وصندوق التنمية السياحية.
  2. تسهيلات استثمارية مثل تملك الأجانب الكامل للمشاريع.
  3. قوة شرائية محلية متنامية وشريحة شبابية تمثل أكثر من 60% من السكان.
  4. خطة وطنية متكاملة تهدف إلى استقبال 100 مليون زائر سنويًا بحلول 2030.
  5. الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي يميز المملكة عن معظم أسواق المنطقة.

كل هذه العوامل تجعل “الاستثمار في الجمال” ليس شعارًا دعائيًا، بل إستراتيجية اقتصادية مدروسة.

من الجمال الطبيعي إلى الاقتصاد الإبداعي

في النهاية، لا يقتصر الاستثمار في الجمال على بناء الفنادق أو الشواطئ، بل يمتد إلى السينما، والموسيقى، والفنون، والمهرجانات، والأنشطة البيئية.
فكل ما يعزز تجربة الزائر أصبح جزءًا من منظومة الاستثمار السياحي.

وهكذا تتحول المملكة تدريجيًا إلى أكبر ورشة مفتوحة للجمال المنتج — جمالٍ يُدار بعقلية استثمارية، ويُقدَّم للعالم في صورة تجربة سعودية لا تُنسى.

“في السعودية، لم نعد نبيع النفط فقط، بل نشارك العالم جمالنا.”
— تعليق لأحد المستثمرين الأوروبيين في ملتقى الاستثمار السياحي 2024.

Leave A Reply

© 2025 المجلة السعودية. تم التطوير بواسطة Webix. جميع الحقوق محفوظة.

 

English
Exit mobile version