في الوقت الذي تمضي فيه المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، لم يعد تطوير البنية التحتية السياحية وحده كافيًا، بل أصبح الاستثمار في الإنسان السعودي أحد أهم ركائز بناء قطاع سياحي مستدام. ومن هذا المنطلق، برز برنامج “صُنّاع السياحة” الذي أطلقته الجمعية التعاونية السياحية بالأحساء، ليقدم نموذجًا عمليًا في إعداد وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة مستقبل السياحة في المملكة.

من فكرة إلى مبادرة وطنية

أطلقت الجمعية التعاونية السياحية بالأحساء برنامج “صُنّاع السياحة” في فبراير 2026، بالتعاون مع عدد من وكالات تنظيم الرحلات السياحية، وبمشاركة 80 متدربًا ومتدربة من أبناء الوطن، في خطوة استهدفت سد الفجوة بين الدراسة الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل السياحي.

ولم يأت البرنامج باعتباره دورة تدريبية تقليدية، بل صُمم ليكون مسارًا متكاملًا يمتد ستة أشهر، يجمع بين التأهيل النظري والتطبيق العملي داخل بيئات العمل السياحي، بما يضمن تخريج كوادر تمتلك المعرفة والخبرة في آنٍ واحد.

فلسفة البرنامج

يقوم برنامج “صُنّاع السياحة” على قناعة بأن التنمية السياحية تبدأ بالإنسان، وأن بناء وجهة سياحية ناجحة يتطلب وجود كوادر وطنية مؤهلة تمتلك المهارات المهنية والوعي السياحي والقدرة على تقديم تجربة متميزة للزائر.

وتتمثل فلسفة البرنامج في تحويل شغف الشباب بالسياحة إلى فرص مهنية حقيقية، مع تعزيز ثقافة الجودة والاستدامة، وإعداد جيل قادر على تمثيل المملكة بصورة احترافية أمام الزوار من داخل المملكة وخارجها. وقد وصف رئيس مجلس إدارة الجمعية، شاكر العليو، البرنامج بأنه “منصة حقيقية لصناعة قادة المستقبل في القطاع السياحي”.

أهداف البرنامج

يركز البرنامج على تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها:

تأهيل وتطوير الكفاءات الوطنية الشابة للعمل في القطاع السياحي.

إكساب المشاركين خبرة عملية مباشرة داخل بيئة العمل.

رفع جاهزية المتدربين لسوق العمل.

نشر الوعي السياحي بين الشباب.

تعزيز مفاهيم الجودة والاستدامة في الخدمات السياحية.

تنمية المهارات في تنظيم البرامج السياحية، وخدمة الزوار، والتسويق للوجهات المحلية.

مراحل التدريب

اعتمد البرنامج على مسار تدريبي يجمع بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي، وشمل:

ورش عمل تخصصية.

برامج تدريب مهني.

جولات ميدانية داخل المواقع السياحية.

تدريب تعاوني مع جهات عاملة في القطاع.

تطبيقات عملية في تنظيم الرحلات والبرامج السياحية.

تنمية مهارات خدمة الزوار والتسويق السياحي.

ويمنح هذا النموذج المتدربين فرصة لاكتساب خبرة واقعية قبل دخول سوق العمل، بما يعزز جاهزيتهم المهنية.

الشراكات

اعتمد البرنامج منذ انطلاقه على الشراكة مع عدد من وكالات تنظيم الرحلات السياحية، إلى جانب التعاون مع الجهات ذات العلاقة في القطاع، بهدف توفير بيئة تدريب عملية تتيح للمشاركين الاحتكاك المباشر بسوق العمل ومتطلباته.

وتعكس هذه الشراكات أهمية التكامل بين القطاع غير الربحي والقطاع الخاص في إعداد الكفاءات الوطنية.

أثر البرنامج على سوق العمل

يمثل برنامج “صُنّاع السياحة” استجابة مباشرة للاحتياج المتزايد إلى كوادر وطنية مؤهلة، في ظل النمو الذي يشهده القطاع السياحي السعودي.

ومن خلال الجمع بين التدريب النظري والخبرة العملية، يسهم البرنامج في:

تقليص الفجوة بين التعليم وسوق العمل.

رفع جاهزية الشباب للوظائف السياحية.

دعم توطين الوظائف في القطاع.

تحسين جودة الخدمات السياحية من خلال كوادر مؤهلة.

كما يسهم في تعزيز ثقافة العمل السياحي بوصفه مسارًا مهنيًا واعدًا، خاصة مع التوسع الكبير في المشاريع السياحية والاستثمارات التي تشهدها المملكة.

صُنّاع السياحة ورؤية المملكة 2030

يتوافق البرنامج بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت من السياحة أحد المحركات الرئيسة لتنويع الاقتصاد، وركزت على تنمية رأس المال البشري، ورفع مشاركة المواطنين في القطاعات الواعدة.

ومن خلال الاستثمار في تدريب الشباب وتأهيلهم، يدعم البرنامج بناء قاعدة وطنية من الكفاءات القادرة على مواكبة النمو المتسارع في قطاع السياحة، والإسهام في تطوير تجربة الزائر، وتعزيز تنافسية الوجهات السياحية السعودية.

تجربة تتجاوز التدريب

ما يميز “صُنّاع السياحة” أنه لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يسعى إلى غرس ثقافة العمل السياحي، وتعزيز الانتماء للمكان، وبناء شخصية مهنية قادرة على تمثيل الوجهات السعودية بأفضل صورة.

وفي محافظة مثل الأحساء، التي تمتلك مقومات تاريخية وثقافية وطبيعية فريدة، يكتسب البرنامج أهمية مضاعفة، لأنه يربط تأهيل الكفاءات المحلية بتنمية الوجهة السياحية نفسها، ويجعل أبناء المنطقة شركاء في صناعة مستقبلها.

مستقبل واعد

مع اختتام النسخة الحالية من البرنامج، تبدو “صُنّاع السياحة” أكثر من مجرد مبادرة تدريبية؛ فهي نموذج يعكس توجه المملكة نحو الاستثمار في الإنسان، بوصفه العنصر الأهم في صناعة السياحة.

وإذا استمرت المبادرة في التوسع، مع تعزيز شراكاتها واستمرار تطوير محتواها التدريبي، فإنها تمتلك مقومات التحول إلى إحدى المبادرات الوطنية الرائدة في إعداد الكفاءات السياحية، بما ينسجم مع الطموحات الكبيرة التي تحملها رؤية المملكة 2030، ويعزز مكانة الأحساء كإحدى البيئات الفاعلة في تنمية السياحة السعودية.

اترك تعليقاً

© 2025 المجلة السعودية. تم التطوير بواسطة Webix. جميع الحقوق محفوظة.

 

Arabic
Exit mobile version