بقلم: خالد آل دغيم
حين نتحدث عن مستقبل السياحة في المملكة، تتجه الأذهان غالبًا إلى الوجهات الكبرى والمشروعات النوعية والفنادق والمنتجعات والفعاليات. وهي جميعًا مكونات أساسية في صناعة سياحية طموحة، غير أن هناك مكونًا لا يقل أهمية عن كل ذلك، بل يمنح هذه المنظومة قدرتها على الاستمرار
وهو الإنسان.
فالوجهة قد تجذب الزائر، والمنشأة قد تستقبله، لكن الإنسان هو من يصنع تجربته، ويمنح الخدمة معناها، ويترك في ذاكرته صورة عن المكان والوطن.
ومن هنا تأتي أهمية مركز التدريب الوطني لإدارة المنشآت والضيافة «فهم»، ليس بوصفه مركزًا للتدريب فحسب، وإنما نموذجًا لفكرة أعمق: أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر بقاءً في صناعة السياحة.
تأسس «فهم» عام 2017م نتيجة شراكة وطنية جمعت أرامكو السعودية، والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني، والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني آنذاك، بهدف تطوير وتهيئة الشباب السعودي للعمل في إدارة وتشغيل المنشآت والضيافة وقطاعات السياحة والفندقة. وجاء المركز ضمن منظومة مراكز التدريب غير الربحية التي أسهمت أرامكو في تأسيسها لتأهيل الشباب وبناء المهارات التي يحتاجها سوق العمل. (أرامكو)
وهنا تكمن دلالة التجربة ، فالشراكة لم تنطلق من فكرة التدريب من أجل التدريب، وإنما من سؤال أكثر أهمية: ما المهارات التي يحتاجها الاقتصاد؟ وكيف نهيئ أبناء الوطن لامتلاكها؟
فالتمكين لا يعني أن نقدم للشاب مقعدًا تدريبيًا ثم نحتفل بعدد الشهادات؛ التمكين الحقيقي أن نمنحه معرفة قابلة للتطبيق، ومهارة يحتاجها السوق، وثقة تمكنه من الدخول إلى المهنة، وفرصة يستطيع من خلالها أن يثبت قدرته ويطور مستقبله.
وهذا ما جعل تجربة «فهم» مرتبطة منذ بداياتها باحتياجات سوق العمل، من خلال برامج الدبلوم والتدريب القصير والشهادات المهنية، والتعاون مع منشآت القطاع لتحديد احتياجاتها من الوظائف وتصميم برامج تتواءم معها. كما شهدت التجربة شراكات للتدريب والتوظيف، من بينها اتفاقيات استهدفت تدريب وتوظيف سعوديين وسعوديات في قطاعات الضيافة وإدارة المنشآت. (التدريب التقني والمهني)
فالتدريب الذي ينتهي بانتهاء الدورة أثره محدود، أما التدريب الذي ينتقل إلى بيئة العمل، ثم ينتقل من الموظف إلى فريقه، ومن الفريق إلى المنشأة، ومن المنشأة إلى تجربة الزائر، فهو تدريب يصنع أثرًا يتسع مع الزمن.
وقد يبدو الأمر في ظاهره بسيطًا ، شاب يتعلم مهارة، أو فتاة تتأهل لمهنة، أو موظف يطور قدراته. لكن القيمة الحقيقية تبدأ عندما تتحول هذه المهارة إلى أداء أفضل، ثم إلى خدمة أجود، ثم إلى تجربة سياحية أكثر احترافية.
وهكذا تتحول ساعة التدريب إلى قيمة اقتصادية، والمهارة إلى فرصة، والفرصة إلى تمكين، والتمكين إلى أثر يبقى.
ولعل من اللافت أن «فهم» لا يعمل في عزلة عن منظومة تنمية المهارات الوطنية؛ فقد أدرجه صندوق تنمية الموارد البشرية ضمن معاهد الشراكات الاستراتيجية في الرياض والخبر، وهو ما يعكس أهمية هذا النموذج في منظومة التدريب المرتبطة بسوق العمل. (صندوق تنمية الموارد البشرية)
إن السياحة السعودية اليوم لا تحتاج فقط إلى زيادة أعداد المنشآت، بل تحتاج إلى زيادة أعداد السعوديين القادرين على صناعة التجربة السياحية وإدارتها وتطويرها.
وهنا يصبح دور المؤسسات التدريبية أكثر اتساعًا من مفهوم التعليم المهني؛ فهي شريك في التوطين، وفي بناء رأس المال البشري، وفي تحويل الفرص التي تصنعها المشروعات السياحية إلى فرص حقيقية لأبناء الوطن.
والأهم أن هذا النموذج يفتح الباب أمام شراكات أوسع بين مراكز التدريب والقطاع السياحي والقطاع غير الربحي والجمعيات المتخصصة؛ لأن احتياجات السياحة لا تتوقف عند التشغيل والضيافة، بل تمتد إلى الإعلام السياحي، وصناعة المحتوى، وإدارة التجربة، والفعاليات، والتسويق، والاتصال بالزائر.
إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى التدريب باعتباره جزءًا من صناعة السياحة، لا نشاطًا هامشيًا على هامشها.
فالمشروعات الكبرى تصنع البنية، والوجهات تصنع الجاذبية، والاستثمار يصنع الفرص، لكن الكفاءات الوطنية هي التي تمنح كل ذلك القدرة على تحقيق مستهدفاته.
ومن هنا فإن قيمة «فهم» لا تقاس فقط بما يقدمه من برامج، وإنما بما يتركه خلفه من إنسان أكثر قدرة، ومهنة أكثر احترافية، ومنشأة أكثر جودة، وقطاع أكثر اعتمادًا على أبنائه وبناته.
وفي نهاية المطاف، قد تتغير البرامج وتتطور المهن وتتبدل احتياجات السوق، لكن المهارة التي يكتسبها الإنسان وتصبح جزءًا من تجربته المهنية تظل معه، وينقلها إلى غيره، ويضيف إليها من خبرته؛ وهنا تحديدًا يتحول التدريب من خدمة مؤقتة إلى أثر مستدام.
إن تمكين شباب الوطن ليس أن نمنحهم فرصة للعمل فحسب، بل أن نمنحهم القدرة على صناعة الفرص، وأن نترك في أيديهم من المعرفة والمهارة ما يجعل أثرهم ممتدًا إلى ما بعدهم.
وهذا، في تقديري، هو أحد أهم المعاني التي يمكن أن نتعلمها من تجربة «فهم»:
أن السياحة التي نريد أن نبنيها للمستقبل لن تصنعها المشروعات وحدها، وإنما يصنعها الإنسان الذي يعرف كيف يحول المكان إلى تجربة، والتجربة إلى قيمة، والقيمة إلى أثر يبقى.

