عبدالله عادل

قبل عقد من الزمان، لم يكن أحد يتخيل أن تتحول المملكة العربية السعودية إلى وجهة سياحية عالمية تنافس كبرى دول العالم في جذب الزوار.
لكن اليوم، ومع رؤية المملكة 2030، أصبح الحلم واقعًا ملموسًا، وصارت أسماء مثل العلا والبحر الأحمر ونيوم رموزًا لعصر جديد من الانفتاح السياحي والتنمية المستدامة، ومشروعات تضع المملكة في قلب خريطة السياحة الدولية.

العلا.. ذاكرة التاريخ وسحر الطبيعة

تُعد العلا واحدة من أكثر الوجهات تميزًا في العالم، ليس فقط بما تحتويه من آثار حضارة الأنباط في مدائن صالح، بل بما تمثله من تجربة متكاملة بين التاريخ والطبيعة والثقافة.
ففي السنوات الأخيرة، تحولت العلا إلى متحف مفتوح يستقبل الزوار من مختلف دول العالم، بعد أن خضعت لعملية تطوير دقيقة حافظت على تراثها الطبيعي والإنساني في آن واحد.

ويُعتبر مهرجان شتاء طنطورة مثالًا بارزًا على الدمج بين الفن والتراث، حيث استضاف حفلات موسيقية عالمية ومعارض فنية وتشكيلية تعكس هوية المملكة المتجددة.

وبحسب الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ارتفع عدد الزوار إلى أكثر من 185 ألف زائر في عام 2023، بزيادة 35% عن العام السابق، ما يؤكد نجاح التجربة في تحويل الموقع التاريخي إلى قصة سعودية تُروى للعالم.

مشروع البحر الأحمر.. رفاهية صديقة للبيئة

على الساحل الغربي للمملكة، يمتد مشروع البحر الأحمر كأحد أضخم المشاريع السياحية المستدامة في العالم.
تقوم فكرته على خلق تجربة فاخرة للزوار دون المساس بالبيئة الطبيعية، من خلال تصميم منتجعات وجزر ومطارات تعمل بالكامل بالطاقة المتجددة.

وقد بدأ المشروع فعليًا باستقبال أول الزوار في عام 2024، بعد تشغيل مطار البحر الأحمر الدولي وافتتاح أول منتجعين فندقيين فاخرين.
وتستهدف شركة البحر الأحمر العالمية جذب مليون زائر سنويًا بحلول عام 2030، وتوفير أكثر من 70 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

وتتميز التجربة السياحية هناك بمزيج من الرفاهية والوعي البيئي، إذ يُمنع البناء في 75% من مساحة الجزر حفاظًا على النظام البيئي، وتُدار كافة المرافق بالطاقة الشمسية.

يقول جون باغانو، الرئيس التنفيذي لشركة البحر الأحمر:
“نحن لا نبني منتجعات فقط، بل نبني تجربة جديدة تمامًا تُعيد تعريف السياحة الفاخرة بطريقة مستدامة.”

نيوم.. المستقبل الذي يسكن الحاضر

أما نيوم فهي مشروع يفوق الخيال في طموحه، ويمثل رؤية السعودية للمستقبل.
تقع في شمال غرب المملكة على سواحل البحر الأحمر، وتمتد على مساحة 26 ألف كيلومتر مربع، وتضم مشاريع فرعية مثل:

ذا لاين: مدينة خطية بلا سيارات ولا انبعاثات.

تروجينا: وجهة جبلية ستستضيف الألعاب الآسيوية الشتوية 2029.

أوكساجون: أكبر مدينة صناعية عائمة في العالم.

تُبنى نيوم لتكون مركزًا عالميًا للتقنية والطاقة والسياحة والترفيه، وجذبًا للاستثمارات الأجنبية في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي.

ويُتوقع أن تستقبل أولى دفعات الزوار مع اكتمال مرحلة تروجينا وافتتاح ذا لاين جزئيًا عام 2026، بما يخلق تجربة سياحية فريدة لا مثيل لها في المنطقة.

التكامل بين المشاريع الثلاثة

حين ننظر إلى العلا والبحر الأحمر ونيوم معًا، ندرك أن المملكة لا تبني مشروعات متفرقة، بل ترسم خريطة متكاملة للسياحة الحديثة تمتد من عمق التاريخ إلى أفق المستقبل.

العلا تمثل الهوية الثقافية والروحية.

البحر الأحمر يعكس الرفاهية والاستدامة.

نيوم تجسد الابتكار والمستقبل.

هذا التكامل جعل المملكة تُحقق نموًا لافتًا في قطاع السياحة، إذ سجلت بحسب منظمة السياحة العالمية (UNWTO) عام 2024 زيادة بنسبة 56% في أعداد السياح الدوليين مقارنة بعام 2019، لتحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث معدل النمو السياحي.

كما أصبحت السياحة ثاني أكبر مساهم في الاقتصاد غير النفطي، بإيرادات تجاوزت 100 مليار ريال سعودي خلال عام واحد، وفق بيانات وزارة السياحة.

نحو صناعة سياحية متكاملة

هذه المشاريع ليست فقط واجهات جمالية، بل ركائز اقتصادية تستهدف خلق وظائف جديدة، وتنويع مصادر الدخل، وتحفيز الاستثمارات المحلية والعالمية.
فكل مشروع يمثل حلقة في سلسلة طويلة تربط التاريخ بالابتكار، والإنسان بالمكان.

اليوم، لم تعد السعودية مجرد وجهة للحج والعمرة فقط، بل أصبحت وجهة عالمية متكاملة للسياحة الثقافية والبيئية والترفيهية.

وبينما تتجه أنظار العالم إلى غرب المملكة، يبدو أن العلا والبحر الأحمر ونيوم لم تعد مجرد أسماء على خريطة المشاريع، بل معالم لعصر جديد تصنع فيه السعودية مستقبل السياحة بيديها.

اترك تعليقاً

© 2025 المجلة السعودية. تم التطوير بواسطة Webix. جميع الحقوق محفوظة.

 

Arabic
Exit mobile version