أكد قادة وخبراء في قطاع السياحة، خلال فعاليات معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض، أن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة واعدة لترسيخ نموذج جديد للسياحة القائمة على التجارب، من خلال وضع المجتمعات المحلية والثقافة والتراث في صميم تطوير الوجهات السياحية.
وشهد المعرض، المقام في مركز واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات، نقاشات موسعة حول أهمية المشاركة المجتمعية، وخلق قيمة محلية، وتقديم تجارب أصيلة، بالتزامن مع النمو المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في المملكة.
قيمة محلية
وخلال جلستين تناولتا السياحة المجتمعية والاقتصاد المتنامي القائم على التجارب، ناقش قادة القطاع سبل الجمع بين الثروات الثقافية الاستثنائية التي تتمتع بها المملكة ومقومات السياحة والترفيه الحديثة، بما يوفر فرصًا اقتصادية مجدية وذات أثر ملموس للمجتمعات المحلية.
وجاءت إحدى الجلسات تحت عنوان «من القرى إلى سلاسل القيمة – تصميم السياحة المجتمعية»، وأدارها إبراهيم أوستا، المدير الأول للنمو الاقتصادي ورئيس قطاع السياحة العالمي في شركة كيمونيكس إنترناشونال، بمشاركة نخبة من الخبراء من منظمة الأمم المتحدة للسياحة، والهيئة الملكية لمحافظة العلا، ووزارة الثقافة، وشركة هاي هوم.
وشارك في الجلسة الثانية ممثلون عن الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ومجموعة واريور، وشركة رولاند بيرغر، حيث تناولت النقاشات مستقبل الاقتصاد القائم على التجارب وكيفية توظيف المقومات الثقافية والتراثية للمملكة في تطوير المنتجات والوجهات السياحية.
خمسة محاور
وتأتي هذه المناقشات في وقت يؤدي فيه قطاع السياحة دورًا متزايد الأهمية في تنويع الاقتصاد السعودي ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
وبحسب البيانات المطروحة خلال فعاليات المعرض، استقبلت المملكة خلال عام 2025 نحو 123 مليون زائر من الداخل والخارج، فيما تجاوز الإنفاق السياحي 304 مليارات ريال سعودي.
ومع استمرار نمو أعداد الزوار، شدد المشاركون على أهمية ضمان إسهام تطوير القطاع السياحي في تحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الثقافة والهوية والمقومات الطبيعية التي تميز المملكة كوجهة سياحية.
وقال يوست نويمان، منسق برنامج السياحة من أجل التنمية الريفية في منظمة الأمم المتحدة للسياحة، إن نجاح السياحة المجتمعية يعتمد على مجموعة من الأولويات المترابطة، وليس على حل واحد بعينه.
وأوضح أن المنظمة حددت خمسة محاور رئيسية لنجاح السياحة المجتمعية، تتمثل في خلق قيمة محلية، وصون التقاليد الحية والهوية الثقافية، والحفاظ على البيئة، وتعزيز التنسيق المؤسسي الفعّال، والاستعداد للسوق والوصول إليه، بما يضمن استدامة التجارب المجتمعية المتميزة تجاريًا واستيفاءها لمعايير الجودة والصحة والسلامة.
وأشار نويمان إلى أن المملكة العربية السعودية تقدم بالفعل نماذج ذات أهمية على الصعيد الدولي، مشيرًا إلى العلا بوصفها نموذجًا يمكن لوجهات سياحية أخرى الاستفادة من تجربته.
تجربة العلا
وأكدت سيلفيا باربوني، نائب الرئيس للشراكات الاستراتيجية في الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أن المشاركة المجتمعية أُدرجت ضمن مسيرة تطوير العلا، لتشمل مجالات التراث والثقافة والصناعات الإبداعية والرياضة والأنشطة الاجتماعية والحرف اليدوية والابتكار والتكنولوجيا.
وقالت باربوني إن هناك ثراءً هائلًا في المملكة من حيث التاريخ والإرث والتراث والتنوع البيولوجي الطبيعي، مؤكدة أهمية التعريف بهذه المقومات أمام العالم.
وأوضحت أن هذا النهج يقوم على التطوير المشترك بدلًا من فرض نموذج سياحي محدد مسبقًا، من خلال جمع المجتمع المحلي مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين لتطوير وجهة تحافظ على المقومات التي تجعل العلا متميزة وفريدة من نوعها.
من جانبها، سلطت نورا السعدون، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة هاي هوم، الضوء على الإمكانات الاقتصادية للمشاركة المجتمعية، وكيف يمكن لتقاليد الضيافة السعودية أن تصبح جزءًا من اقتصاد مستدام قائم على الزوار.
وأشارت السعدون إلى أن الفكرة كانت جديدة في بدايتها، موضحة أن أصحاب المنازل كانوا مترددين في قبول مقابل مادي نظرًا لثقافة الكرم والضيافة السائدة في المملكة، قبل إقناعهم بأن هذا النهج يمكن أن يكون وسيلة لضمان استدامته.
اقتصاد التجارب
واستمر التأكيد على أهمية الأصالة خلال جلسة «اقتصاد التجارب: مزج التراث العريق بالترفيه الحديث»، التي بحثت سبل الجمع بين آلاف السنين من التاريخ في المملكة العربية السعودية ومقومات الترفيه والضيافة والتكنولوجيا والمعالم السياحية الحديثة واسعة النطاق.
وأكد تروي غيلهام، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة واريور، أن نقطة الانطلاق في تطوير التجارب السياحية يجب أن تكون دائمًا العناصر والمقومات التي تميز المملكة وتمنحها طابعها الفريد.
وقال إن الناس والثقافة والطعام والمواقع المذهلة والتراث والقصص، تمثل عناصر أساسية تضفي طابعًا أصيلًا وحقيقيًا على التجربة السياحية.
وشدد غيلهام على ضرورة عدم ابتكار تجربة سياحية أولًا ثم محاولة دمج التراث والثقافة فيها، وإنما اتباع المسار المعاكس، من خلال تحديد العناصر التي تمنح السعودية طابعها الفريد وتصميم التجارب والمناطق السياحية انطلاقًا منها.
نمو مستدام
من جهتها، أكدت دانييل كورتيس، المديرة الإقليمية لمحفظة شركة آر إكس في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن استمرار المملكة في الاستثمار في الوجهات السياحية وقطاعي الضيافة والترفيه يفتح فرصة مهمة لضمان مشاركة المجتمعات المحلية في هذا النمو واستفادتها منه.
وأوضحت أن النقاشات التي يشهدها معرض سوق السفر العالمي – سبوت لايت الرياض تبرز أهمية التعاون بين المجتمعات والجهات الحكومية والوجهات السياحية والقطاع الخاص، بما يمكن أن يحول الاستثمارات السياحية إلى قيمة اقتصادية مستدامة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الأصالة التي تجعل المملكة وجهة استثنائية وجذابة.
وتعكس هذه النقاشات توجهًا متزايدًا نحو بناء تجارب سياحية تنطلق من هوية المكان ومجتمعاته وثقافته، بما يعزز قدرة المملكة على تقديم منتج سياحي مختلف، ويمنح الزائر تجربة أكثر ارتباطًا بالمكان والإنسان والتراث السعودي.



