عبدالله عادل – مجلة تورزم
لا يحدث كثيرًا أن تُعيد مدينة تعريف مستقبلها بخطوة واحدة؛ لكن الرياض فعلتها.
ففي لحظة فارقة، دخلت العاصمة السعودية موسوعة غينيس للأرقام القياسية كصاحبة أطول شبكة قطار ذاتية القيادة في العالم، بطول 176 كيلومترًا من المسارات التي تتحرك دون سائق، وتعمل بعقل إلكتروني متطور يراقب ويخطط ويتحكم في كل تفصيلة بدقّة مذهلة.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إنجازًا تقنيًا فحسب، لكنه في الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
فهو إعلان واضح بأن الرياض قررت أن تتقدّم خطوة، لا في اتجاه المستقبل… بل نحو تصدره.
الرياض مدينة تتحرك بنفسها
عندما تتحول مدينة بهذا الحجم إلى بنية نقل ذاتية بالكامل، فإن هذا لا يعني مجرد وسيلة انتقال أسرع، بل رؤية حضرية متكاملة.
فالقيادة الذاتية ليست رفاهية هندسية، بل فلسفة حضرية تعكس كيف تريد المدينة أن تعيش، وأن تعمل، وأن تتنفس.
هذا القطار الذاتي يجعل التنقل اليومي أكثر مرونة، ويقلل التلوث، ويمنح السكان تجربة نقل عالمية تنافس أكثر المدن تطورًا.
إنه يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمدينة، بحيث تصبح الحركة جزءًا من جودة الحياة لا معوقًا لها.
وراء الإنجاز… ثقة دولة ورؤية مستقبل
الدول لا تدخل المستقبل صدفة.
وهذا المشروع لم يكن مجرد قرار تقني، بل ثمرة مباشرة لثقة الدولة في الهيئة الملكية لمدينة الرياض، ورغبتها في تحويل العاصمة إلى نموذج للمدن الذكية التي تستثمر في الإنسان قبل البنيان.
إن ما يحدث اليوم جزء أصيل من رؤية السعودية 2030، حيث تصبح التقنية ليست مجرد أداة، بل محركًا للتنمية، ووسيلة لتعزيز الجاذبية العمرانية والاقتصادية والسياحية للمدينة.
عندما تصبح التقنية أسلوب حياة
القطار الذاتي لا يضيف خطًا جديدًا على خريطة النقل فحسب، بل يفتح بابًا على مرحلة يمكن أن نسمّيها:
مرحلة المدن التي تعتمد على ذاتها.
أنظمة القيادة الذاتية تعني عمليات دقيقة، وجدولة دقيقة، ونتائج دقيقة.
لا مفاجآت، لا تأخير، لا تدخل بشري قد يعطّل الحركة أو يعرّضها للخطأ.
هنا تصبح التقنية شريكًا يوميًا للسكان، لا مجرد مشروع ضخم ينتهي بإعلان افتتاحه.
أثر يتجاوز القضبان
لم تَعُد مشاريع النقل في المدن الكبرى مجرد وسائل لربط النقاط، بل أدوات لتفعيل الاقتصاد، وتحسين الحركة السياحية، وجذب الاستثمارات.
ورغم أن المشروع يحمل بصمة هندسية جبارة، إلا أن أثره الحقيقي سيظهر في شوارع المدينة، وفي نمط حياة سكانها، وفي الطريقة التي ستغدو بها الرياض مركزًا أكثر حضورًا على خريطة المدن العالمية ذات البنية التحتية المتقدمة.
خلاصة القول
الرياض اليوم لا تواكب العالم… بل تسبق جزءًا كبيرًا منه.
والقيادة الذاتية التي تحرّك قطارها الجديد ليست مجرد تقنية، بل رسالة:
أن العاصمة السعودية تتجه بثبات نحو صدارة المدن الذكية، وأن مستقبلها يُصنع الآن، فوق قضبان تمتد لـ176 كيلومترًا… تقود نفسها، وتدلّ العالم على الطريق.

