ظل شامخًا على هضبة الجيزة لنحو 4600 عام، متحديًا الزلازل والعواصف وتقلبات المناخ، ليصبح المعجزة الوحيدة المتبقية من عجائب الدنيا السبع القديمة، بعدما اختفت بقية المعالم التي أبهرت العالم القديم.
وعلى مدار أكثر من أربعة آلاف عام، شهدت مصر عشرات الزلازل، بعضها كان مدمرًا وأسقط آلاف المباني والمنشآت، إلا أن الهرم الأكبر ظل واقفًا، محتفظًا بجسمه الأساسي وتوازنه الإنشائي، في مشهد دفع العلماء إلى البحث عن السر الهندسي الكامن داخل هذا البناء الاستثنائي.
وكشفت دراسة علمية حديثة، نُشرت عام 2026، أن صمود الهرم لم يعتمد فقط على ضخامة أحجاره، وإنما يعود إلى منظومة معمارية متكاملة تشمل شكل البناء، وقاعدته العريضة، ومركز ثقله المنخفض، وطبيعة الأرض المقام عليها، إلى جانب حجرات داخلية تساعد على تقليل تأثير الاهتزازات.
83 زلزالًا
أحصت دراسة علمية متخصصة في تاريخ النشاط الزلزالي في مصر نحو 83 زلزالًا موثقًا، خلال الفترة الممتدة من عام 2200 قبل الميلاد حتى عام 1899 ميلاديًا، اعتمادًا على الوثائق العربية والسجلات التاريخية القديمة.
لكن هذا الرقم لا يعني أن جميع الزلازل الـ83 كان مركزها هضبة الجيزة أو ضربت الهرم مباشرة؛ وإنما وقعت في مصر والمناطق المحيطة بها، وشُعر بعدد منها في القاهرة والجيزة.
كما أن السجلات القديمة لم تكن قادرة على رصد الهزات الضعيفة، ما يعني أن العدد الحقيقي للزلازل والهزات الأرضية التي تعرضت لها المنطقة خلال آلاف السنين قد يكون أكبر بكثير.
ومن ثم، فإن الوصف العلمي الأدق هو أن هرم خوفو مرّ بعصر شهد ما لا يقل عن 83 زلزالًا تاريخيًا موثقًا في مصر، إضافة إلى عدد غير معروف من الهزات الصغيرة، ومع ذلك لم يتعرض جسمه الرئيسي للانهيار.
أقوى زلزال واجهه الهرم
يعد زلزال الفيوم الذي وقع في 7 أغسطس 1847 من أقوى الزلازل المسجلة بالقرب من منطقة الأهرامات، إذ قدرت قوته بنحو 6.8 درجة، وكان مركزه على مسافة تقارب 100 كيلومتر جنوب القاهرة.
وتشير السجلات التاريخية إلى أن الزلزال تسبب في سقوط ضحايا وتدمير مئات المباني، إلا أن أهرامات الجيزة ظلت واقفة ولم يلحق بالجسم الأساسي للهرم الأكبر ضرر إنشائي خطير.
كما واجه الهرم زلزال القاهرة، المعروف أيضًا بزلزال دهشور، في 12 أكتوبر 1992، والذي بلغت قوته بين 5.8 و5.9 درجة، وأسفر عن وفاة أكثر من 500 شخص وإصابة آلاف آخرين، فضلًا عن انهيار وتضرر عدد كبير من المباني.
وسقطت خلال الزلزال بعض الأحجار الخارجية الصغيرة من الأجزاء العليا للأهرامات، لكن الكتلة الرئيسية لهرم خوفو ظلت متماسكة، بحسب دراسة منشورة حول استدامة أهرامات الجيزة في دورية Heritage Science.
زلزال 1303 انتزع الكسوة الخارجية
لم يخرج الهرم من رحلته الطويلة بلا أضرار تمامًا؛ فقد تسبب زلزال قوي وقع عام 1303 في سقوط أجزاء كبيرة من أحجار الكسوة الخارجية المصنوعة من الحجر الجيري الأبيض المصقول.
كما تعرضت بقايا الكسوة لاحقًا للتفكيك، واستخدمت أحجار منها في تشييد مبانٍ بمدينة القاهرة، ما أفقد الهرم جزءًا من مظهره الأصلي الناعم.
وبلغ ارتفاع الهرم عند بنائه نحو 146.5 متر، بينما يصل ارتفاعه الحالي إلى قرابة 138.5 متر. ومع ذلك، بقي جسمه الأساسي قائمًا، وظل أطول بناء شيده الإنسان في العالم لمدة تقارب 3800 عام.
37 جهازًا تكشف السر
في الدراسة المنشورة بدورية Scientific Reports، وضع علماء من المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية أجهزة لقياس الاهتزازات في 37 نقطة داخل هرم خوفو وخارجه وعلى الأرض المحيطة به.
وأظهرت القياسات أن التردد الطبيعي لمعظم أجزاء الهرم يتراوح بين 2 و2.6 هرتز، بمتوسط يبلغ نحو 2.3 هرتز، بينما يبلغ التردد السائد في التربة المحيطة قرابة 0.6 هرتز.
هذا الاختلاف الكبير يحمي الهرم من ظاهرة هندسية خطيرة تعرف باسم «الرنين»، والتي تحدث عندما يتساوى تردد اهتزاز المبنى مع تردد حركة الأرض، فتتضاعف الاهتزازات وقد تؤدي إلى انهياره.
وبعبارة مبسطة، لا يهتز الهرم بالإيقاع نفسه الذي تهتز به الأرض، وبالتالي لا تتراكم داخله الطاقة الزلزالية بالطريقة التي تهدد الكثير من المباني.
خمس حجرات تحمي قلب الهرم
كانت المفاجأة الأبرز داخل خمس حجرات صغيرة تقع فوق حجرة الملك، وتعرف باسم «حجرات تخفيف الضغط».
وأظهرت أجهزة القياس أن قوة الاهتزاز تزداد تدريجيًا كلما ارتفع العلماء داخل الهرم، لكنها تنخفض عند الوصول إلى تلك الحجرات، رغم أنها تقع في أعلى النقاط التي شملتها الدراسة.
ويرى الباحثون أن تصميم الحجرات يساعد على توزيع الضغوط الواقعة فوق حجرة الملك وتقليل تضخم الاهتزازات، بما يوفر حماية إضافية لإحدى أهم المناطق الداخلية في الهرم.
خمسة أسرار وراء «الهرم الصامد»
حدد الباحثون مجموعة من العناصر التي منحت هرم خوفو مقاومته الاستثنائية:
- قاعدة مربعة ضخمة يبلغ طول ضلعها نحو 230 مترًا.
- مركز ثقل منخفض يقلل خطر الانقلاب أو الميل.
- شكل هرمي تتناقص كتلته تدريجيًا كلما اتجه البناء إلى الأعلى.
- تماثل هندسي يوزع الأحمال والضغوط على جوانبه الأربعة.
- تشييده فوق قاعدة صلبة من الحجر الجيري تساعد على ثباته.
كما أن الأحجار الضخمة المتراصة، والاحتكاك القوي بينها، والكتلة الهائلة للبناء، أسهمت جميعها في امتصاص جزء من طاقة الزلازل ومنع حدوث انهيارات متسلسلة.
وبعد 46 قرنًا من بنائه، لا يزال هرم خوفو يقدم للعالم درسًا هندسيًا استثنائيًا؛ فبينما سقطت مدن ومبانٍ كاملة أمام الزلازل، بقي «الهرم الصامد» شاهدًا على معرفة المصريين القدماء بتوزيع الكتل ونقل الأحمال واختيار الموقع، ومعجزة معمارية لم تستطع آلاف السنين إسقاطها.
