عبدالله عادل – Tourism Magazine
الرياض.. عاصمة القرار السياحي القادم
في نوفمبر المقبل، تتجه أنظار العالم إلى الرياض، حيث تحتضن العاصمة السعودية منتدى «تورايز – TOURISE 2025»، الحدث العالمي الأول من نوعه الذي لا يناقش السياحة بوصفها صناعة فقط، بل كمستقبل إنساني واقتصادي متكامل.
على مدى ثلاثة أيام (من 11 إلى 13 نوفمبر)، يتحول مركز الملك عبدالعزيز الدولي للمؤتمرات إلى خلية فكرية عالمية، تجمع أكثر من 130 متحدثًا من 80 دولة، بينهم وزراء، ورؤساء شركات طيران، وخبراء تقنية واستثمار وإعلام، يضعون معًا تصورًا لما ستكون عليه السياحة خلال الخمسين عامًا القادمة.
من فكرة إلى منصة عالمية
منتدى TOURISE لا يأتي كحدث عابر، بل كمبادرة تعيد تعريف دور السياحة في القرن الحادي والعشرين.
يقول أحمد الخطيب، وزير السياحة السعودي، إن المنتدى “يهدف إلى رسم مستقبل السياحة خلال الخمسين عامًا المقبلة، لأن هذا القطاع يتطور بسرعة ويتأثر بعوامل متشابكة من الموارد البشرية إلى التقنيات الحديثة”.
إنها رؤية سعودية واضحة: أن تكون المملكة ليس فقط مركزًا إقليميًا للسفر، بل مختبرًا عالميًا لصناعة السياحة الذكية والمستدامة.
خمسة مسارات نحو المستقبل
يحمل المنتدى شعارًا لافتًا: «الخطوة الضخمة المستقبلية»، وهو أكثر من مجرد عبارة تسويقية، بل يعبر عن خريطة طريق تتفرع إلى خمس تطلعات محورية، ترسم ملامح مستقبل القطاع حول العالم:
1️⃣ حدود وجسور
كيف يمكن للتقنية والسياسات الحديثة أن تجعل التنقل بين الدول أسرع وأكثر أمانًا وعدالة؟
المنتدى يناقش فكرة تحويل الحدود إلى جسور، لا حواجز، عبر اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي في التأشيرات، وتسهيل حركة المسافرين عالميًا دون التضحية بالأمن أو السيادة.
2️⃣ التجربة.. القيمة الحقيقية للسفر
لن يكون السفر في المستقبل مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة إنسانية تحقق التوازن بين المتعة والمعنى.
يتناول المنتدى كيفية تصميم تجارب سياحية قائمة على القصة، والثقافة، والعافية، تخلق ارتباطًا عاطفيًا طويل المدى بين المسافر والوجهة.
3️⃣ الذكاء الاصطناعي.. التقنية التي تفهم الإنسان
في زمن التحول الرقمي، سيكون الذكاء الاصطناعي شريكًا لا بديلاً.
يناقش TOURISE 2025 كيف يمكن للتقنيات الذكية أن تعزز تجربة السائح عبر التخطيط المسبق، وتحسين الخدمات، مع مراعاة القيم الأخلاقية والخصوصية والشفافية.
4️⃣ منافسة الوجهات على الجيل الجديد من السياح
العالم يتغير، والسائح القادم ليس كما كان.
يتطلع المنتدى إلى رسم ملامح السائح المستقبلي – جيل يعيش على الإنترنت، يبحث عن التجربة السريعة والملهمة، ويتفاعل مع العالم افتراضيًا قبل أن يزوره فعليًا.
كيف يمكن للدول والوجهات جذب هذا الجيل؟ سؤال رئيسي تطرحه جلسات المنتدى.
5️⃣ رسم وجهات المستقبل
يناقش المنتدى كيف يمكن بناء مدن ووجهات سياحية توازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.
تُعرض خلال الفعالية نماذج سعودية رائدة تجمع بين البنية التحتية الذكية والتنقل الأخضر، مثل مشروع البحر الأحمر ونيوم، كأمثلة حية على مدن المستقبل السياحية.
تحالف عالمي.. وتمثيل سعودي قوي
يُعد TOURISE 2025 المنصة العالمية الأولى التي تجمع القطاعين العام والخاص في حوار متكافئ حول السياحة.
المنتدى يحظى برعاية 25 جهة محلية ودولية من كبرى الشركات العالمية، في تأكيد على أن الرياض أصبحت وجهة لصنّاع القرار السياحي العالمي.
وتكمن قوة المنتدى في تنوع المتحدثين، إذ لا يقتصر على صناع القرار الحكوميين، بل يشمل قادة شركات الطيران، والمطارات، والتقنية، والاستثمار، والإعلام، ما يمنحه بعدًا عمليًا يجمع بين الرؤية والتطبيق.
الرياض تقود السياحة المستدامة
في سياق رؤية المملكة 2030، يمثل هذا المنتدى امتدادًا لاستراتيجية وطنية تسعى لجعل السياحة أحد أعمدة الاقتصاد السعودي، ومصدرًا مستدامًا لفرص العمل والنمو.
فالمملكة اليوم لا تروّج للسياحة فقط، بل تبتكر نماذج جديدة للتنمية السياحية المسؤولة، تجمع بين الأصالة والابتكار.
من “الدرعية” التاريخية إلى “العلا” الطبيعية، ومن “البحر الأحمر” إلى “نيوم”، تتشكل خريطة سعودية جديدة للسياحة العالمية، تستند إلى إرث حضاري عميق وتكنولوجيا متقدمة.
زاوية مختلفة: من السياحة إلى الحوار الإنساني
ما يميز TOURISE 2025 ليس فقط حجمه أو عدد جلساته (أكثر من 50 جلسة و15 ورشة عمل)، بل روحه الفكرية.
إنه منتدى يسعى إلى تحويل السياحة من صناعة ترفيه إلى منصة حوار بين الثقافات، ومن منافسة اقتصادية إلى شراكة إنسانية من أجل مستقبل مستدام.
في زمنٍ تتقاطع فيه التكنولوجيا مع التجربة الإنسانية، تأتي الرياض لتقول للعالم:
“المستقبل لا يُنتظر.. بل يُصنع.”
ختامًا
«TOURISE 2025» ليس مجرد منتدى، بل إعلان ميلاد لمرحلة جديدة من التفكير السياحي العالمي.
مرحلة تتقاطع فيها التقنية مع الإنسانية، والتخطيط مع الإبداع، والطموح مع الواقع.
ومثلما كانت الرياض يومًا قلب التحول الاقتصادي في المنطقة، فهي اليوم تكتب فصلًا جديدًا من قصة التحول السياحي العالمي.
في نوفمبر المقبل، لن تكون الرياض فقط وجهة..
بل مركز القرار السياحي للعالم.

