عبدالله عادل – مجلة تورزم
قبل خمسة أعوام فقط، لم يكن أحد يتوقع أن تتحول المملكة العربية السعودية إلى أحد أكثر مراكز الجذب الرياضي والسياحي في المنطقة والعالم. لكن ما حدث فعليًا تجاوز التوقعات؛ فالمملكة لم تكتفِ بتنظيم فعاليات عالمية، بل أعادت صياغة مفهوم السياحة الرياضية كجزء أساسي من اقتصادها الجديد، مستثمرةً طاقاتها البشرية وموقعها الجغرافي ورؤيتها الطموحة.
تحول استراتيجي.. الرياضة كصناعة وليست فعالية مؤقتة
اعتمدت المملكة مسارًا واضحًا في تحويل الرياضة من منافسة إلى صناعة، ومن فعاليات موسمية إلى منظومة اقتصادية متكاملة. هذه الرؤية تبلورت في نهج جديد يقوم على جذب الأحداث الرياضية الضخمة، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع أثر القطاع على باقي الأنشطة السياحية.
اليوم، تُنظّم السعودية بطولات عالمية في كرة القدم، الفورمولا 1، الفعاليات القتالية، سباقات الهجن، الدراجات، الجولف، والرياضات البحرية. هذه الأحداث ليست مجرد عروض جماهيرية؛ بل أدوات اقتصادية توفر فرص عمل، وتنشط قطاع الطيران، وتحرك الفنادق، وتخلق تجربة حياة جديدة في المدن.
عائدات تتزايد.. وأرقام تعيد رسم الخريطة الاقتصادية
تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن السياحة الرياضية أصبحت واحدة من أسرع القطاعات نموًا في المملكة، حيث تضاعفت العوائد خلال السنوات الأخيرة مع استضافة أحداث كبرى حجزت لها مكانًا في الروزنامة العالمية.
ومع توسع المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام في بناء مرافق متطورة، أصبحت المملكة قادرة على استقبال مئات الآلاف من المشجعين سنويًا، ما أدى إلى ارتفاع نسب الإشغال الفندقي وازدهار قطاعات كالنقل والمطاعم والخدمات الترفيهية.
بل إن بعض المدن شهدت نمطًا جديدًا في الحياة اليومية، حيث باتت الفعاليات الرياضية جزءًا من الهوية المدنية وليس مجرد حدث عابر.
صورة جديدة للسعودية في الإعلام العالمي
على المستوى الدولي، نجحت السعودية في تقديم نفسها كوجهة معاصرة وجاذبة عبر الرياضة.
اللقطات التي تبثها المحطات العالمية لسباقات البحر أو مضامير الفورمولا 1 أو الملاعب الحديثة أصبحت رسائل مفتوحة تعيد تعريف المملكة أمام العالم.
هذه الصورة الجديدة لا تعكس فقط التطور العمراني، بل تبرز أيضًا الاستثمار في الشباب، وتمكين المرأة، والتنوع الثقافي، والانفتاح على العالم.
من الفعالية إلى التجربة السياحية المتكاملة
لم تعد الفعاليات الرياضية مجرد حضور للمدرجات، بل تجربة متكاملة تمتد إلى الفنادق والمطاعم والوجهات السياحية.
فعلى سبيل المثال:
- زوّار سباق الفورمولا 1 يعيشون تجربة بحرية وترفيهية في جدة.
- جمهور كرة القدم يستمتع بفعاليات موسيقية وفنية مرافقة.
- السياح القادمون لبطولات الجولف يدمجون زيارات للمعالم التراثية في الرياض والدرعية.
- هذا التكامل أكد أن السياحة الرياضية قادرة على قيادة قطاعات الترفيه والثقافة والضيافة نحو مستوى جديد من التنافسية.
رؤية 2030.. رياضة تصنع مجتمعًا واقتصادًا
لا يمكن الحديث عن السياحة الرياضية دون الإشارة إلى رؤية 2030 التي وضعت الرياضة في قلب التحول الوطني.
فالاهتمام لا يقتصر على الرياضات العالمية، بل يمتد إلى تشجيع الأنشطة الرياضية المجتمعية، وتطوير الأكاديميات، وتنمية رياضات الهواة، وتحويل التجارب المحلية إلى جاذب سياحي.
هذا المسار يعزز صحة المجتمع ويزيد مشاركة الشباب، وفي الوقت ذاته يدعم النشاط الاقتصادي ويخلق آلاف الوظائف.
السعودية.. منصة رياضية عالمية في طور الاكتمال
تسير المملكة بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كأحد أهم مراكز السياحة الرياضية عالميًا.
فالمزيج بين الطموح، الاستثمار، البنية التحتية، والقدرة على التنظيم يصنع نموذجًا جديدًا في المنطقة، ويثبت أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة، بل لغة عالمية تجذب الشعوب وتنعش الاقتصادات وتغيّر صور الدول.
ومع استمرار المشاريع العملاقة والفعاليات الكبرى، يبدو أن صفحة جديدة تُكتب اليوم في سجل السياحة السعودية… صفحة عنوانها:
“السياحة الرياضية.. صناعة المستقبل”.

